أحمد بن عميرة المخزومي

109

تاريخ ميورقه

الأمواج ، فما لعبت أيدي الرّياح بتلك الرخاخ ، ولا لغبت تلك النعم المعقلة في ذلك المناخ . ثم إن الرّوم أقاموا المجانيق ، وأحكموا بناءها الوثيق ، وصنعوا منها ثلاثة قائمة في الهواء ، قاصمة بالدّاهية الدّهياء « 1 » ، مظهرة قطع الجبال طيرا مسخرات في جو السّماء ، ترمي فوق العشرين ربعا ، وتملأ القلوب رعبا ، وكان رميها داخل البلد فأخليت جهة وقع حجارتها ، وتنحّى المزور عن طريق زيارتها ، وعدلوا عنها إلى أقل حجما ، وأقتل رجما ، وأمطر سحابة « 2 » ، وأكثر إصابة . فكملت في الأيام القريبة ، ومني البلد منها بالأيام العصيبة ، والرّزايا المصيبة ، وكان رماتها أخذوا قراءة الرّماية عن القارة ، ورموا منها عن القسي الصقارة ، فاستعملت في تركيب السّور طريق التحليل ، وجاءت بما لا قبل به من الخطب الجليل ، وتمكّن الدّاء من ذلك الجسم المعتل ، واشتكى البناء من الحجر المنهد بالحجر المنهل ، وعزائم المسلمين في القتال ثبتت وما انثنت ، وقوتهم ما وهت ولا وهنت . وكانت لهم على باب الكحل قنطرة يخرجون عليها إلى العدو ، ويمنعونه من التبسط والدنو ، فرأوا هدمها مكيدة ، وحسبوا زوالها منفعة عتيدة ،

--> ( 1 ) الداهية الدهياء : من شدائد الدهر وعظائم نوائبه التي تصيب الناس . قال الشاعر : أخو محافظة إذا نزلت به * دهياء داهية من الأزم لسان العرب ، ج 14 ، ص 275 . ( 2 ) استعارة مكنية شبّه فيها المؤلف الحجارة الصغيرة التي كانت ترميها المجانيق بالسحابة التي تمطر ماء .